أبي الفرج الأصفهاني

254

الأغاني

عليك حقّا عظيما . [ قالت : وما [ 1 ] هو ؟ قال : ] ضربت إليك [ آباط الإبل ] [ 1 ] من مكة إرادة التسليم عليك ، فكان جزائي من ذلك تكذيبي وطردي وتفضيل جرير عليّ ومنعك إيّاي أن أنشدك شيئا من شعري ، وبي ما قد عيل منه صبري ، وهذه المنايا تغدو وتروح ، ولعلَّي لا أفارق المدينة حتى أموت ؛ فإذا أنا متّ فمري بي أن أدرج في كفني وأدفن في حر هذه ( يعني الجارية التي أعجبته ) . فضحكت سكينة وأمرت له بالجارية ، فخرج بها آخذا بريطتها [ 2 ] ؛ وأمرت الجواري فدفعن في أقفيتهما ، ونادته . يا فرزدق احتفظ بها وأحسن صحبتها فإني آثرتك بها على نفسي . حضر أعرابي مائدة عبد الملك بن مروان ووصف له طعاما أشهى من طعامه ثم سأله عن أحسن الشعر فأجاب من شعر جرير : قال المدائنيّ في خبره هذا وحدّثني أبو عمران بن عبد الملك بن عمير عن أبيه ، وحدّثنيه عوانة أيضا قالا : / صنع عبد الملك بن مروان طعاما فأكثر وأطاب ودعا إليه الناس فأكلوا . فقال بعضهم : ما أطيب هذا الطعام ! ما نرى أن أحدا رأى أكثر منه ولا أكل أطيب منه . فقال أعرابيّ من ناحية القوم : أمّا أكثر فلا ، وأمّا أطيب فقد واللَّه أكلت أطيب منه ، فطفقوا [ 3 ] يضحكون من قوله . فأشار إليه عبد الملك فأدني منه ؛ فقال : ما أنت بمحقّ فيما تقول إلَّا أن تخبرني بما يبين به صدقك . فقال : نعم يا أمير المؤمنين ؛ بينا أنا بهجر [ 4 ] في برث [ 5 ] أحمر في أقصى حجر [ 6 ] ، إذ توفّي أبي وترك كلَّا [ 7 ] وعيالا ، وكان له نخل ، فكانت فيه نخلة لم ينظر الناظرون إلى مثلها ، كأن تمرها أخفاف الرّباع [ 8 ] لم ير تمر قطَّ أغلظ ولا أصلب ولا أصغر نوّى ولا أحلى حلاوة منه [ 9 ] . وكانت تطرقها أتان وحشيّة قد ألفتها تأوي الليل تحتها ، فكانت تثبت رجليها في أصلها وترفع يديها وتعطو [ 10 ] بفيها فلا تترك فيها إلا النّبيذ [ 11 ] والمتفرّق ؛ فأعظمني ذلك ووقع منّي كلّ موقع ، فانطلقت بقوسي وأسهمي وأنا أظنّ أنّي أرجع من ساعتي ؛ فمكثت يوما وليلة لا أراها ، حتى إذا كان السّحر أقبلت ، فتهيأت لها فرشقتها فأصبتها وأجهزت عليها ، ثم عمدت إلى سرّتها فاقتددتها [ 12 ] ، ثم عمدت إلى حطب جزل فجمعته إلى رضف [ 13 ] وعمدت إلى زندي فقدحت وأضرمت النار في ذلك الحطب ، وألقيت / سرّتها فيه ؛ وأدركني نوم الشّباب [ 14 ] فلم يوقظني إلَّا حرّ الشمس في ظهري ؛ فانطلقت إليها

--> [ 1 ] زيادة عن ج . [ 2 ] الريطة : الملاءة . [ 3 ] في الأصول : « وطفقوا » . [ 4 ] هجر : مدينة بالبحرين مشهورة بكثرة التمر . [ 5 ] كذا في « البخلاء » طبع أوروبا ص 243 ، والبرث : الأرض اللينة السهلة ، ومنه في الحديث : « بين الزيتون إلى كذا برث أحمر » . وفي الأصول : « ترب أحمر » وهو تصحيف . [ 6 ] في أقصى حجر أي في أبعد ناحية . وفي « البخلاء » : « في طلوع القمر » . [ 7 ] الكل : الثقل والعيال ، الذكر والأنثى في ذلك سواء ، وربما جمع على الكلول في الرجال والنساء . [ 8 ] الرباع : جمع ربع ( كمضر ) وهو الفصيل ينتج في الربيع وهو أوّل النتاج ، والذي ينتج في آخر النتاج يسمى هبع ( بضم ففتح ) . [ 9 ] في الأصول : « منها » . [ 10 ] تعطو : تتناول . [ 11 ] كذا في أ ، ء ، م . والنبيذ : المنبوذ . وفي سائر الأصول : « النبذ » والنبذ : الشيء القليل اليسير . [ 12 ] كذا في ج . واقتدّ الشيء : قطعه . وفي سائر الأصول : « فافترتها » وهو تحريف . [ 13 ] الرضف : الحجارة المحماة بالشمس أو النار . [ 14 ] كذا في ج و « البخلاء » . وفي سائر الأصول : « السبات » .